كتاب الحداثة والمقاومة بقلم طه عبد الرحمن..قد يستغرب القارئ للوهلة الأولى أن يجمع هذا الكتاب في عنوان واحد بين حالتين: إحداهما غلب على العقول أنها تخص العزب وحدهم، دالة على تقدمهم وقوتهم، وهي "الحداثة"، والثانية تقرر في الأذهان أنها تخص العرب والمسلمين وأمثالهم، شاهدة على تأخرهم وضعفهم، وهي "المقاومة"، حتى إنه قد يسبق إلى الفهم من الترتيب الذي جاء عليه هذا العنوان أن الحداثة، على وجه العموم، تلاقى نوعاً من المقاومة، بل قد يظن بعضهم أن الحداثة، التي كانت سبباً في تقدم الغرب وقوته، تلقى من العرب والمسلمين مقاومة صريحة، وكأنهم يصرون على البقاء في حال التأخر والضعف.


لكن استغراب القارئ لا يلبث أن يزول، حين يتبين له أن المؤلف يسلم بكل ما ساد به الاعتقاد بصدد الحداثة.

ويأتي على رأس العناصر التي تشكل لب الحداثة، فعل "الإبداع"، مع العلم بأن الفعل لا يكون إبداعاً، حتى يرتقي بالإنسان درجة، أما إذا نزل به إلى رتبة دنيا، فلا يكون إبداعاً وإنما ابتداعاً، لذا، تراه يجعل من حصول الإبداع الشرط الضروري في التحقق بالحداثة، فلا يتصف بالحداثة إلا من أبدع، ويكون وصفه بها على قدر إبداعه، بل أنه يذهب إلى أبعد من هذا، فيجعل الإبداع شرطاً كافياً للتحقق بالحداثة: فحيثما وجد الإبداع، فثمة حداثة، فلو فرضنا أن هناك مقاومة ثبت إتيانها بأفعال مبدعة، لزم أن نعتبرها، سلوكاً حداثياً، حتى ولو كانت مقاومة للحداثة نفسها، إذ تكون عندئذ مقاومة لما علق بالحداثة من مظاهر أو قيم تضر بالإنسان، طلباً للخروج إلى حداثة أفضل.

فما الظن إذا كانت هذه المقاومة تتصدى للعوائق الوجودية التي تمنع الأمة من إنشاء حداثتها، كالاحتلال والهيمنة والتبعية والاستبداد واحتكار السلطة والظلم الاجتماعي! فما من شك أن المقاومة التي يكون مقصدها بالأساس هو استعادة الأمة لقدرتها على الإبداع، تحتاج إلى أن تبدع في الوسائل التي توصلها إلى تحقيق هذا المقصد، وعلى قدر إبداعها في هذه الوسائل، يكون حظ الأمة من استرجاع هذه القدرة المفقودة. (

كتاب الحداثة والمقاومة بقلم طه عبد الرحمن..قد يستغرب القارئ للوهلة الأولى أن يجمع هذا الكتاب في عنوان واحد بين حالتين: إحداهما غلب على العقول أنها تخص العزب وحدهم، دالة على تقدمهم وقوتهم، وهي "الحداثة"، والثانية تقرر في الأذهان أنها تخص العرب والمسلمين وأمثالهم، شاهدة على تأخرهم وضعفهم، وهي "المقاومة"، حتى إنه قد يسبق إلى الفهم من الترتيب الذي جاء عليه هذا العنوان أن الحداثة، على وجه العموم، تلاقى نوعاً من المقاومة، بل قد يظن بعضهم أن الحداثة، التي كانت سبباً في تقدم الغرب وقوته، تلقى من العرب والمسلمين مقاومة صريحة، وكأنهم يصرون على البقاء في حال التأخر والضعف.


لكن استغراب القارئ لا يلبث أن يزول، حين يتبين له أن المؤلف يسلم بكل ما ساد به الاعتقاد بصدد الحداثة.

ويأتي على رأس العناصر التي تشكل لب الحداثة، فعل "الإبداع"، مع العلم بأن الفعل لا يكون إبداعاً، حتى يرتقي بالإنسان درجة، أما إذا نزل به إلى رتبة دنيا، فلا يكون إبداعاً وإنما ابتداعاً، لذا، تراه يجعل من حصول الإبداع الشرط الضروري في التحقق بالحداثة، فلا يتصف بالحداثة إلا من أبدع، ويكون وصفه بها على قدر إبداعه، بل أنه يذهب إلى أبعد من هذا، فيجعل الإبداع شرطاً كافياً للتحقق بالحداثة: فحيثما وجد الإبداع، فثمة حداثة، فلو فرضنا أن هناك مقاومة ثبت إتيانها بأفعال مبدعة، لزم أن نعتبرها، سلوكاً حداثياً، حتى ولو كانت مقاومة للحداثة نفسها، إذ تكون عندئذ مقاومة لما علق بالحداثة من مظاهر أو قيم تضر بالإنسان، طلباً للخروج إلى حداثة أفضل.

فما الظن إذا كانت هذه المقاومة تتصدى للعوائق الوجودية التي تمنع الأمة من إنشاء حداثتها، كالاحتلال والهيمنة والتبعية والاستبداد واحتكار السلطة والظلم الاجتماعي! فما من شك أن المقاومة التي يكون مقصدها بالأساس هو استعادة الأمة لقدرتها على الإبداع، تحتاج إلى أن تبدع في الوسائل التي توصلها إلى تحقيق هذا المقصد، وعلى قدر إبداعها في هذه الوسائل، يكون حظ الأمة من استرجاع هذه القدرة المفقودة. (

طه عبد الرحمن (من مواليد عام 1944 بمدينة الجديدة المغربية)، فيلسوف معاصر، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. ويعد طه عبد الرحمن أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم الإسلامي منذ بداية سبعينيات القرن الماضي. تلقى طه عبد الرحمن دراسته الابتدائية بمدينة "الجديدة"، ثم تابع دراسته الإعدادية بمدينة ...
طه عبد الرحمن (من مواليد عام 1944 بمدينة الجديدة المغربية)، فيلسوف معاصر، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. ويعد طه عبد الرحمن أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم الإسلامي منذ بداية سبعينيات القرن الماضي. تلقى طه عبد الرحمن دراسته الابتدائية بمدينة "الجديدة"، ثم تابع دراسته الإعدادية بمدينة الدار البيضاء، ثم بـجامعة محمد الخامس بمدينة الرباط حيث نال إجازة في الفلسفة، واستكمل دراسته بـجامعة السوربون، حيث حصل منها على إجازة ثانية في الفلسفة ودكتوراه السلك الثالث عام 1972 برسالة في موضوع "اللغة والفلسفة: رسالة في البنيات اللغوية لمبحث الوجود"، ثم دكتوراه الدولة عام 1985 عن أطروحته "رسالة في الاستدلال الحِجَاجي والطبيعي ونماذجه".